عبد الوهاب الشعراني

670

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

تشكلت بشاكلته وصارت كأنها من أصل طينته لا يمكن زوالها منه أبدا ، وإنما الحق تعالى يعطل استعمالها في عباده المخلصين قال تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ [ الحشر : 9 ] . فأخبر أن الشح من لازم البشر لكنه توقى العمل به فضلا منه تعالى عليه ، وقال تعالى : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ [ الفلق : 5 ] . وما قال وَمِنْ شَرِّ أن يقوم بأحد حسد لي لعلمه تعالى بأن الحسد في كل جسد من البشر من الأمم . وقد كنت رأيت مرة لوحا أحمر نزل من السماء في سلسلة فضة مكتوب فيه بالأخضر ، اعلموا أن حكم البشر حكم الطينة المعجونة من سائر الأجرام والطعوم والروائح والنفاسة والخبثة والخفة والثقل والجبن والبخل والشجاعة والكرم والروائح الطيبة والكريهة وغير ذلك ، فإذا فرقت هذه الطينة بعد عجنها حتى صارت روحا واحدا أجزاء صغارا على أدق ما يقضي به العقل بحكم العقل ، بأن في كل جزء مجموع ما تفرق في غيره ففي طينة البشر من صفات الشر ما لا يحصى ومن صفات الخير ما لا يحصى ، وفي الأكابر من الصفات الناقصة كما في الأصاغر وعكسه لكن الصفات الناقصة خفية في الأكابر والصفات الكاملة خفية في الأصاغر وعكسه ، هذا حكم جميع ولد آدم ما عدا الأنبياء ، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد طهر اللّه تعالى طينتهم بسابق العناية لا بعمل عملوه ولا بخير قدموه ، فطينتهم كلها خير لا شر فيها ، وأما غيرهم فهو باق على أصل طينته ، وما كان جبليا في النشأة فمحال أن يزول إلا بانعدام الذات ، وما دامت العناية تحف العبد فالصفات الحسنة مستعملة في العبد والسيئة معطلة ، وحينئذ يقول الناس لذلك الشخص شيء للّه ، المدد يا سيدي الشيخ ، فإذا تخلفت عنه العناية قامت الصفات السيئة للاستعمال وتعطلت الحسنة ، فيكون العبد كالشيطان يقول الناس عند رؤيته نعوذ باللّه من شر ما رأينا وتتبرأ منه الخلق أجمعون ا ه ، ما رأيته في اللوح في واقعة من وقائعنا بمصر المحروسة وقد جهل العارفون من قال في كتابه باب علاج زوال العجب باب علاج زوال الكبر ونحو ذلك ، لأنه يوهم أن هذه الصفات تزول من العبد والأمر بخلاف ذلك كما بيناه آنفا وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وقد روى ابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ومن تكبّر على اللّه درجة وضعه اللّه درجة حتّى يجعله في أسفل سافلين » . وفي رواية للطبراني مرفوعا : « ومن تكبّر قصمه اللّه أو قال أخسأه فهو في أعين النّاس صغير وفي نفسه كبير » . وروى الطبراني مرفوعا ورواته ثقات : « إيّاكم والكبر فإنّه يكون في الرّجل وإنّ عليه العباءة » .